معضلة الطاقة: الانتقال الطاقي والتعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
النقاط الأساسية:
تتمتّع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باحتياطيات وفيرة من الهيدروكربونات، بالإضافة إلى إمكانيات هائلة للطاقة المتجددة، مما يمنحها مكانة فريدة ومربحة في الانتقال الطاقي العالمي.
تستغلّ حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الهيدروكربونات والطاقة المتجددة بشكل استراتيجي من أجل خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.
يعتبر تعاون دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمرًا ضروريَا لإنشاء بنية تحتية متكاملة للطاقة، والتي من شأنها تعزيز القدرة التنافسية وتسهيل الوصول للأسواق العالمية.
تعدّ مشاركة القطاع الخاص ضرورية من أجل تقدّم الانتقال الطاقي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى الحكومات تشجيع المشاركة من خلال الشراكات، والسياسات الداعمة، وظروف الاستثمار المواتية.
تعتبر السياسات الاستراتيجية، مثل تطوير بنية تحتية متكاملة للطاقة، وتعزيز التعاون الإقليمي، والاستثمار في البحث والتطوير المُتقدم، وتطوير القدرات البشرية، ضرورية من أجل وضع المنطقة كرائدة في مجال الطاقات الخضراء.
المقدمة
لعبت الدول الغنية بالموارد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دوراً محورياً في أسواق الطاقة العالمية في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى احتياطيات النفط والغاز الطبيعي الضخمة لديها. أدّى ذلك إلى دفع النمو الاقتصادي في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الغنية بالموارد، ووضعها كدول مُنتجة رئيسية في سلسلة إمداد الطاقة العالمية، وبالتالي تؤثر على الاعتماد الدولي على الطاقة وديناميكيات السوق. ومع تزايد الضغوط لوضع حد للآثار الكارثية التي يسببها تغير المناخ، تعمل الدول حول العالم على صياغة استراتيجيات وخطط للتحوّل بعيدًا عن إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، والاتجاه للبدائل الخضراء. ولقد أثار الدفع بالانتقال الطاقي أسئلة مشروعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - خاصة بالنسبة للدول التي تعتبر من المنتجين الرئيسيين للوقود الأحفوري، والتي يعتمد اقتصادها على هذه الطاقة. تركّز هذه المخاوف على كيفية تأثير اقتصادات ما بعد النفط على مستقبل مجتمعات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والدور المحتمل للحكومات في المنطقة في مستقبل أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري.
يكشف هذا الملخص كيف يمكن للدول الغنية بالموارد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تستفيد من مواردها الطبيعية ووضعها الاستراتيجي، لكي تصبح رائدة في مجال الطاقة المتجددة والخضراء. كما يناقش الفوائد التي يمكن أن تجنيها هذه الدول، ويسلط الضوء على أهمية التعاون الإقليمي، ويقدم توصيات لتحقيق قيادة الطاقة المستدامة في العقود المقبلة.
تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمام مفترق طرق في الانتقال الطاقي
يظهر تأثير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على أسواق الطاقة العالمية من خلال مساهمتها الكبيرة في إنتاج النفط والغاز العالمي. وكما هو موضح في الجدول 1، فهناك خمس دول من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - إيران، والعراق، والكويت، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة – تدخل من ضمن أعلى عشر دول إنتاجًا للنفط في العالم، حيث تساهم معًا بحوالي 26 في المئة من إنتاج النفط العالمي.
الجدول 1: أعلى 10 دول إنتاجًا للنفط عالميًا في 2023
الدولة | إنتاج النفط (بمليون برميل في اليوم) | الحصّة من الإجمالي العالمي |
الولايات المتحدة الأمريكية | 21.91 | 22% |
المملكة العربية السعودية | 11.13 | 11% |
روسيا | 10.75 | 11% |
كندا | 5.76 | 6% |
الصين | 5.26 | 5% |
العراق | 4.42 | 4% |
البرازيل | 4.28 | 4% |
الإمارات العربية المتحدة | 4.16 | 4% |
إيران | 3.99 | 4% |
الكويت | 2.91 | 3% |
أعلى 10 دول | 74.59 | 73% |
مجموع العالم | 101.81 |
|
المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، https://www.eia.gov/tools/faqs/faq.php?id=709&t=6.
وبالمثل، كما هو موضح في الجدول 2، فهناك أربع دول من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا — الجزائر، وإيران، وقطر والسعودية — تحتل مرتبة بين أفضل عشرة منتجين للغاز الطبيعي، حيث يبلغ مجموع إنتاجها حوالي 16 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي العالمية.
الجدول 2: أعلى 10 دول إنتاجًا للغاز الطبيعي في 2023
الدولة | إنتاج الغاز الطبيعي (بالمليار متر مكعب) |
الولايات المتحدة الأمريكية | 1,035.3 |
روسيا | 586.4 |
إيران | 251.7 |
الصين | 234.3 |
كندا | 190.3 |
قطر | 181 |
أستراليا | 151.7 |
النرويج | 116.6 |
المملكة العربية السعودية | 114.1 |
الجزائر | 101.5 |
ماليزيا | 81.1 |
مجموع العالم | 4,059.2 |
المصدر: معهد الطاقة، https://www.energyinst.org/statistical-review.
يهدف الانتقال الطاقي العالمي من الهيدروكربونات إلى مصادر الطاقة المتجددة إلى مكافحة تغيّر المناخ وخفض الانبعاثات، بينما يعيد أيضًا تعريف النماذج الاقتصادية والطاقة التقليدية. في ظل هذا التغيير، تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عند مفترق طرق. ويبقى للدول الغنية بالموارد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الخيار: إما أن تفقد القوة الاقتصادية التي تمتلكها منذ سنوات عديدة أو أن تغتنم الفرصة لتصبح رائدة عالمية في عصر الطاقة النظيفة. مع ذلك، فإن هذا الانتقال يطرح أيضًا تحديّات مؤسسية، وتنظيمية، ومالية يجب على الحكومات الإقليمية معالجتها. كما تحتاج دول المنطقة إلى استكشاف سبل لتنويع قطاعات الطاقة لديها من أجل الحفاظ على النمو الاقتصادي والقدرة على المنافسة في سوق الطاقة العالمي المتطور. بالرغم من ذلك، فإن حكومات الدول الغنية بالموارد ليست بحاجة إلى اعتبار الانتقال الطاقي بمثابة ابتعاد كامل عن الهيدروكربونات، حيث إن العديد من الدول تتبنّى سياسات تسمح لكل من الهيدروكربونات والطاقة المتجددة بلعب دور في خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.
سيناريو الرابح-رابح/المنفعة المتبادلة/في صالح الطرفين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
تعتقد حكومات المنطقة أنه يمكن أن تستفيد دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل فريد من سيناريو رابح-رابح/ يحقق المنفعة المتبادلة خلال الانتقال الطاقي. فمن خلال الاستفادة من قوتها المزدوجة في كل من الهيدروكربونات وإمكانات الطاقة المتجددة، يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعزيز المرونة والنمو الاقتصادي. وتنبع هذه الميزة التنافسية من ثلاثة عوامل رئيسية:
ميزة الموارد المزدوجة: تتمتّع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأساس مزدوج في الهيدروكربونات وإمكانات الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية والرياح، مما يمنحها ميزة طبيعية في التكيّف مع الانتقال الطاقي العالمي. ووفقًا للبنك الدولي، تتركّز 22-26 بالمئة من الطاقة الشمسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يسمح لها بإنتاج ما لا يقل عن نصف احتياجات الكهرباء العالمية. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تعمل كل وحدة يتم استثمارها في الطاقة الشمسية على خفض الانبعاثات بمقدار الضعف، مقارنة بالاستثمار المُماثل في أوروبا أو أمريكا الشمالية. كما تحتوي المنطقة أيضًا على أراض شاسعة غير مستخدمة مناسبة تمامًا لإنشاء محطات الطاقة الشمسية الكبيرة، بالإضافة إلى وجود إمكانيات غير مستغلة لطاقة الرياح. ويمكن تنفيذ مشاريع طاقة الرياح الكبيرة في مواقع أساسية، مثل ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وخليج السويس في مصر، وكذلك الصحراء الشمالية الغربية في السعودية وجنوب عُمان. بشكل عام، تواجه هذه المشاريع تحديّات أقل في التنفيذ مقارنةً بأوروبا أو أمريكا الشمالية. حيث يمكن أن تستغرق عملية الحصول على التصاريح الكثير من الوقت، ذلك بالإضافة إلى مواجهة مُقاومة المجتمعات المحلية. وقد يؤدي الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية إلى تمكين منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتصبح أيضًا مركزًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر، والذي تعتبره العديد من الحكومات أولوية عالية في الانتقال الطاقي.
الانتقال الاقتصادي المتوازن: إن الانتقال الطاقي العالمي لا يعني التحوّل الفوري من الهيدروكربونات إلى الطاقة المتجددة بالنسبة للدول الغنية بالموارد. على العكس، فإنه يتضمن نهج متوازن يسمح لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من خلال تصدير الهيدروكربونات، مع تطوير قطاعات الطاقة المتجددة لديها.
الإنتاج التنافسي في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والميزة التصديرية الاستراتيجية: يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تستفيد من وصولها إلى الطاقة منخفضة التكلفة والمتجددة لكي تدعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل المعادن والكيماويات، حتّى تنتج سلعًا منخفضة الانبعاثات. بعد ذلك، يمكن للمنطقة تصدير هذه السلع إلى المناطق القريبة، مثل أوروبا، حيث يتم تحويلها إلى منتجات نهائية. بالتالي، يمكن أن تصبح منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مركزًا جذابًا للتصنيع للأسواق العالمية، وكذلك موردًا موثوقًا في الاقتصاد الأخضر.
التعاون الإقليمي: أساس الانتقال الطاقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
يمكن للتعاون الإقليمي أن يكون بمثابة محفز حيوي للانتقال الطاقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. حيث تمتلك بعض الدول موارد أرضية شاسعة، بينما تمتلك دول أخرى قدرات مالية، أو قوى عاملة ماهرة، أو بنية تحتية، أو نفوذًا سياسيًا. وتستفيد دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، من قطاع الهيدروكربونات والموارد المالية للدفع بالانتقال إلى الطاقة النظيفة. بينما تجذب دولًا أخرى، مثل المغرب، الاستثمارات من خلال اكتساب المعرفة والخبرة للتفاوض بفعالية مع المؤسسات المالية التي لديها معايير معقدة. كما نجحت مصر في جذب الاستثمارات من خلال تلبية احتياجات دول الشمال وخاصة الاتحاد الأوروبي.
توجد بالفعل عدة تعاونات في مجال الطاقة ومشاريع البنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يُظهر وجود إمكانيات للتعاون على نطاق أوسع. وتتعلق هذه المشاريع بالهيدروجين، والطاقة المتجددة، والكهرباء، وشبكات الربط.
مشاريع الهيدروجين:
مبادرة الهيدروجين الأخضر في السعودية: تتولّى السعودية مشروع إنشاء أكبر مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العالم والذي من المقرر أن يبدأ تشغيله في عام 2026، في نيوم، والذي من المتوقع أن ينتج 600 طن من الهيدروجين النظيف يوميًا 1.2 طن من الأمونيا الخضراء سنويًا. وسيتم تخصيص معظم هذا الإنتاج للتصدير، مع طرق نقل تشمل الشحن عبر البحر الأحمر، وخطوط الأنابيب عبر مصر، والمسارات البرية إلى الدول المجاورة. من المتوقع أن يخفض هذا المشروع انبعاثات الكربون بمقدار 5 طن متري سنويًا، مما يبرز التزام المملكة العربية السعودية بأهداف الطاقة المستدامة.
اتفاقيات الهيدروجين في مصر : أعربت مصر في مؤتمر الأطراف 27، عن هدفها في أن تصبح مركزًا للهيدروجين في المنطقة من خلال توقيع ثمانية مذكرات تفاهم. وتشمل هذه الاتفاقيات خطة لإنشاء مصانع هيدروجين بقيمة 8 دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
خارطة طريق الهيدروجين في المغرب: يطمح المغرب لإنشاء سوق هيدروجين مزدهر، مستهدفًا الطلب المحلى الذي يبلغ 4 تيراوات وتصدير 10 تيراوات بحلول عام 2030. ويتطلب هذا المخطط تطوير 6 جيجاوات من الطاقة المتجددة من أجل دعم هذه الأهداف الطموحة.
خطوط أنابيب الهيدروجين والبنية التحتية: يتم استكشاف مقترحات لإنشاء شبكة من خطوط أنابيب الهيدروجين تربط بين إسرائيل، والأردن، وعُمان والإمارات العربية المتحدة. والتي من شأنها أن تساعد في تعزيز التعاون بين الدول من خلال استخدام البنية التحتية الحالية للغاز الطبيعي في نقل الهيدروجين إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
مشاريع الطاقة المتجددة:
الطاقة المتجددة في نيوم: تهدف المملكة العربية السعودية إلى إنتاج 4 جيجاوات من الطاقة المتجددة، مع تخصيص 3 جيجاوات لتشغيل مصنع الهيدروجين الأخضر في نيوم، مما يُظهر التزامها بدمج الطاقة المتجددة في مشاريعها.
مشروع الازدهار: في مؤتمر الأطراف 27، اتفقت إسرائيل، والأردن، والإمارات العربية المتحدة على مبادرة تبادل المياه والطاقة. ويتضمن هذا المشروع بناء محطة طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة إنتاجية تبلغ 600 ميجاوات في الأردن، والتي ستزوّد إسرائيل بالكهرباء مقابل المياه المُحلاة. تم تطوير المشروع بواسطة شركة مصدر، المملوكة لدولة الإمارات العربية، وتبرز هذه التعاونات مزايا التعاون الإقليمي في معالجة تحديات الطاقة والمياه.
تقدّم الطاقة المتجددة في مصر: تعمل مصر بشكل سريع على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة من خلال مشاريع واسعة النطاق للطاقة الشمسية الكهروضوئية، مثل محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، والتي تبلغ قدرتها الإنتاجية 1,650 ميجاوات وتعكس التزام مصر بتطوير الطاقة النظيفة.
إمكانيات الطاقة المتجددة في المناطق المتأثرة بالنزاعات: تتمتّع جزيرة سيناء في مصر والضفة الغربية بإمكانيات كبيرة لمشاريع الطاقة المتجددة. لكن، يجب معالجة العقبات السياسية والأمنية الكبيرة من أجل الحصول على هذه الفرص.
شبكات الكهرباء:
شبكة دول مجلس التعاون الخليجي: تشغّل دول مجلس التعاون الخليجي شبكة كهرباء موثوقة لحالات الطوارئ وأوقات الذروة.
شبكة المشرق: تربط شبكة المشرق دول مثل مصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وليبيا، والأراضي الفلسطينية، وسوريا، وتركيا، بالرغم من أنها أقل فعالية من الشبكات الأخرى بالمنطقة.
شبكة المغرب: تستخدم دول شمال إفريقيا مثل، الجزائر، وليبيا، وموريتانيا، والمغرب وتونس هذه الشبكة في تجارة الكهرباء.
الرابط الكهربائي بين مصر والسعودية: يهدف مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية إلى تعزيز تجارة الكهرباء بين البلدين، مع خطط لتوسيع السعة بشكل كبير.
الربط الإقليمي للشبكات: يوجد في المنطقة مشاريع قيد التنفيذ مثل الربط بين إسرائيل والأردن (كجزء من مشروع الازدهار)، والربط بين مصر وقبرص واليونان. وذلك بهدف ربط شبكات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأوروبا من أجل تحقيق تكامل أفضل في مجال الطاقة.
فمن خلال التعاون، يمكن لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إنشاء بنية تحتية متصلة للطاقة تعزز التنافسية الإقليمية وتسهّل وصولها إلى الأسواق العالمية. كما أن التعاون الإقليمي يسمح بالتوزيع الاستراتيجي لمحطات الطاقة المتجددة عبر مناطق متنوعة، مما يمكّن الدول من استخدام الموارد بشكل أكثر كفاءة. فإن السوق المتصل جيدًا أو الموحّد يكون أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية، مما يجعل من الموارد الطبيعية فرصة اقتصادية، ويعزز مكانة المنطقة في الاقتصاد الأخضر.
وتنعم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالموارد المتجددة وتعمل على تنفيذ مشاريع طاقة بمعدلات مختلفة، مُسترشدة بأطر سياسات متنوعة. وبينما تعتمد العديد من هذه المشاريع على التكنولوجيا المستوردة، مثل الألواح الشمسية الكهروضوئية، بدأت دول مثل المغرب وتونس في دمج عناصر سلسة قيمة تكنولوجيا الطاقة المتجددة محليًا. ويقدم توسيع هذا التكامل عبر المنطقة فرصة كبيرة للتعاون بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فمن خلال اعتماد نهج منسّق، يمكن لهذه الدول الاستفادة من الخبرات الإقليمية في صناعات مثل المعادن، والميكانيكا، والإلكترونيات من أجل إنشاء روابط تكاملية في سلسلة القيمة لتكنولوجيا الطاقة المتجددة.
فإن الاستراتيجية التي تركّز على التكامل الإقليمي ستخلق سوقًا أكبر للتقنيات المتجددة، وتشجع الشركات المصنّعة على توسيع عملياتها وتتبنّى إنشاء أعمال جديدة. كما يمكن للمنافسة الصحية بين الشركات في مختلف البلدان أن تحسن الإنتاجية، وتشجع الابتكار، وتبني المرونة ضد المنافسة العالمية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي النهج الإقليمي المتكامل إلى تحسين سلسلة التوريد من خلال تقليل مسافات النقل، وخفض انبعاثات الكربون، وتحسين الكفاءة العامة. ومن شأن هذه الجهود أن تعزّز قطاع الطاقة المتجددة، وأن تضع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كقائد في الانتقال الطاقي العالمي.
القطاع الخاص: لاعب رئيسي في تشكيل مستقبل الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
تهيمن الاستثمارات التي تقودها الحكومات على قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – والذي يتكون أساساً من شركات الكهرباء وشركات إنتاج النفط والغاز. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى مشاركة القطاع الخاص في الانتقال الطاقي أصبحت واضحة بشكل متزايد. فلا تستطيع الحكومات وحدها تحمل العبء المالي لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة في المنطقة، خاصة مع توسع السكان وتصنيع الاقتصادات. وتهدف معظم الحكومات إلى استبدال مصادر الطاقة المحلية من الوقود الأحفوري بالطاقة النظيفة، مما يتطلب استثمارات عامة في المشاريع المتجددة ودورًا أكثر نشاطًا للشركات الخاصة التي ستحتاج إلى تمويل من مصادر مختلفة عامة وخاصة.
على الرغم من إمكانيات القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أنه يواجه عدة تحديات في مساهمته في الانتقال للطاقة المتجددة. أحد هذه العقبات الرئيسية هو طبيعة مشاريع الطاقة المتجددة ذات الكثافة الرأسمالية، والتي تتطلب من المطورين تأمين التمويل من البنوك أو المؤسسات المالية الأخرى بأفضل الأسعار والشروط. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الموردون والمقاولون ضغطًا كبيرًا لتسليم المشاريع بأقل تكلفة ممكنة مع الالتزام بالمواصفات الصارمة، مما يزيد من تعقيد العملية.
وقد أدّى الطلب المتزايد على البنية التحتية للطاقة المتجددة إلى منافسة شديدة على سلسلة التوريد، والموارد الطبيعية، ومقاولي البناء، حيث إن حجم الطلب يتجاوز العرض المتاح على جميع المستويات. وأظهرت شركات مثل "مصدر" في السعودية والإمارات تنافسيتها العالمية من خلال تأمين مشاريع في شرق أوروبا، وآسيا الوسطى، وجنوب إفريقيا. ومع ذلك، يواجه قادة الصناعة تحديات كبيرة، بما في ذلك التعامل مع سلاسل التوريد المتوترة وتأمين التمويل المفضل، بينما تسرع الدول حول العالم مبادراتها في مجال الطاقة المتجددة. ويستمر السوق الأوسع في النضال من أجل إنشاء أطر مؤسسية وتنفيذ آليات فعّالة للتخفيف من المخاطر ولدعم تمويل المشاريع وجذب رأس المال العالمي. لمعالجة هذه التحديات، تحتاج الحكومات إلى إعطاء الأولوية للاستثمارات في البنية التحتية الإقليمية وخلق بيئات تشجع على مشاركة القطاع الخاص. ولا تكفي موارد أي دولة بمفردها لتحقيق هذه الأهداف الطموحة.
يعدّ تشجيع الحكومات على إنشاء الشراكات بين الشركات الصغيرة والشركات الكبيرة استراتيجية رئيسية لتحفيز مشاركة القطاع الخاص في الانتقال الطاقي. مما يسمح للشركات الصغيرة باكتساب الخبرة، وذلك يؤهلها للعمل بشكل مستقل في قطاع الطاقة المتجددة. كما يمكن للحكومات أن تلعب دورًا حيويًا من خلال الالتزام باتفاقيات شراء طويلة الأجل للطاقة المُنتجة، مما يوفّر ضمانات الاستثمار ويقلل المخاطر على المستثمرين. على سبيل المثال، لقد استفادت شركات مثل أكوا باور ومصدر من هذه الهياكل، مما سمح لها بتأمين تمويل تنافسي وتنفيذ مشاريع طاقة متجددة واسعة النطاق داخل وخارج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويبرز ذلك أهمية إنشاء بيئات تنظيمية تشجّع على مشاركة القطاع الخاص.
بالإضافة إلى ذلك، من المهمّ جدًا إنشاء أطر لجذب رأس المال العالمي لضمان قدرة المشاريع على التوسّع بما يتجاوز حدود الموارد المحلية. فيمكن أن تعمل الموارد الحكومية كتمويل أولي لجذب استثمارات خاصة أكبر، سواء من داخل البلاد أو من خارجها. كما أنه من الضروري إنشاء بيئة تنظيمية وقانونية تحمي وتشجع الاستثمار من الكيانات المحلية والأجنبية على حد سواء. وعلى الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التركيز على تعزيز التعاون عبر الحدود والشراكات بين القطاعين العام والخاص من أجل تطوير إطار مؤسسي يعزّز نمو القطاع الخاص والتكامل الإقليمي. حيث تُظهر المبادرات عبر الحدود التي تشمل شركات مثل أكوا باور ومصدر، كيف يمكن للتعاون الإقليمي أن يعزز فعالية استثمارات الطاقة المتجددة. ولقد أطلقت هذه الشركات مشاريع تعمل على تحسين البنية التحتية للطاقة المحلية، بالإضافة إلى ربط أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأنظمة الطاقة العالمية. ومن خلال دمج هذه الاستراتيجيات مع الاستثمارات المستهدفة في البنية التحتية الإقليمية، يمكن تحسين قدرة المنطقة على تحقيق أهدافها الطموحة في مجال الطاقة المتجددة بشكل كبير.
توصيات لتعزيز التعاون في إطار الانتقال الطاقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
يجب على الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنفيذ عدة إجراءات استراتيجية لكي تصبح رائدة وقائدة في مجال الطاقة المتجددة، وقادرة على إنتاج طاقة خضراء كافية لتلبية الاحتياجات المحلية وتصدير أي فائض. ويجب أن تهدف تلك الإجراءات إلى تعزيز التكامل، والتعاون والتبادل:
تطوير البنية التحتية للطاقة والربط الإقليمي: على حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إعطاء الأولوية للسياسات التي تدعم البنية التحتية الخضراء وتؤسس الروابط مع الدول المجاورة. فإنشاء شبكة كهرباء موثوق بها ومتكاملة سيدعم التوزيع الفعّال للطاقة المتجددة عبر المنطقة، مما يوفر سهولة الوصول لأمن الطاقة ويعززه.
الحفاظ على كهرباء الهيدروكربونات منخفضة التكلفة وعالية الموثوقية: في ظل الانتقال إلى الطاقة المتجددة، يجب على حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاستفادة من موارد الهيدروكربونات الحالية لديها من أجل إنتاج الكهرباء بشكل موثوق ومنخفض التكلفة. وبذلك، يمكنهم الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتخصيص إيرادات الهيدروكربونات لتمويل المشاريع القائمة على الطاقة المتجددة.
تشجيع الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة: يجب على الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جذب الصناعات التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة في تحويل صناعاتهم من خلال التركيز على الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر. فمن خلال توفير منتجات منخفضة الانبعاثات، يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مركز تنافسي لإنتاج الطاقة المتجددة.
الاستثمار في البحث والتطوير: يعدّ الاستثمار في البحث والتطوير أمرًا ضروريًا من أجل استكشاف التطبيقات المبتكرة للطاقة النظيفة. ويمكن للحكومات تطوير استخدام الطاقة المتجددة في قطاعات مثل الزراعة الخضراء من خلال تمويل مبادرات البحث المتطورة.
تعزيز القدرات البشرية: يجب على الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تطوير الخبرات المحلية في قطاعي الطاقة التقليدية والمتجددة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تزويد القوى العاملة بالمهارات اللازمة. على سبيل المثال، يمكن للحكومات أن تستثمر في برامج تدريبية لتطوير مهارات العاملين في قطاع النفط والغاز، مما يهيئهم لتلبية متطلبات الاقتصاد الذي يركّز على الطاقة المتجددة.
خلق بيئة استثمارية ملائمة: على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إنشاء إطار تنظيمي وقانوني ملائم، مما سيساعد على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. بالإضافة إلى أن السياسات الحكومية تحمي الاستثمارات وتقلل المخاطر، فهي تحفز أيضًا مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الطاقة المتجددة. ويجب أن يكون التمويل الحكومي بمثابة رأس مال أولي فقط من أجل تحفيز الاستثمارات الأكبر.
تطوير خارطة طريق إقليمية للانتقال الطاقي: يجب على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التعاون من أجل وضع خارطة طريق إقليمية شاملة، مشابهة في هيكلها للصفقة الخضراء الأوروبية، تعمل على توجيهها خلال الانتقال الطاقي. ويجب أن تحدّد الصفقة الخضراء لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا احتياجات البنية التحتية، مثل الروابط الكهربائية المتكاملة، وأن تضع أطرًا تنظيمية وقانونية تدعم تطوير الطاقة المتجددة، وأن تُحدّد دور القطاع الخاص، وتوفّر حوافز للاستثمار في الطاقة المتجددة، والمعادن الحرجة، والبحث، والتطوير.
المراجع
كولمان، ل. (25 إبريل، 2024). المنتدى الاقتصادي العالمي. " هذه هي الطريقة التي يمكن بها لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تسريع إنتاجها من الطاقة المتجددة". الرابط:https://www.weforum.org/stories/2024/04/renewable-energy-capacity-mena/.
معهد الطاقة. 2024 المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية. الرابط: https://www.energyinst.org/statistical-review.
إزراحي، أ. (2024) خارطة الطريق للطاقة والاستدامة في الشرق الأوسط. المجلس الأطلسي. الرابط: https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/report/an-energy-and-sustainability-road-map-for-the-middle-east/#specific-initiatives.
الوكالة الدولية للطاقة. (2024). معلومات الغاز الطبيعي: توثيق قاعدة البيانات (نسخة عام 2024). الرابط: http://wds.iea.org/wds/pdf/gas_documentation.pdf.
معهد حوكمة الموارد الطبيعية. (2024). ندوة عبر الانترنت: الثروة المعدنية وتعزيز التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. https://www.youtube.com/watch?v=gGzXRGdI2rQ.
إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. (2024، 11 أبريل). "الأسئلة الشائعة – ما هي الدول التي تعد من أكبر المنتجين والمستهلكين للنفط؟". الرابط: https://www.eia.gov/tools/faqs/faq.php?id=709&t=6.
المنتدى الاقتصادي العالمي. (2023) سدّ فجوة العمل المناخي: تسريع إزالة الكربون والانتقال الطاقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. الرابط: https://www3.weforum.org/docs/WEF_Closing_the_Climate_Action_Gap_2023.pdf
شكر وتقدير
هذا الموجز هو جزء من مساهمة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في نقاش الانتقال الطاقي العادل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد تم تطوير المحتوى من خلال مناقشات بين المؤلفين، لوري هايتايان(مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا) والدكتور شهاب البرعي، الشريك في شركة استراتيجي أند الشرق الأوسط، والمؤلف المشارك لكتاب "المناورة العربية: الطريق إلى الريادة في مشهد الطاقة المتغير".
Authors
Laury Haytayan
Middle East and North Africa Director