بين كلفة الحروب وصدمات النفط وتحولات الطاقة: إلى أين تتجه اقتصادات الشرق الأوسط؟
أبرز خلاصات ندوة معهد حوكمة الموارد الطبيعية حول كيفية إعادة أزمة الطاقة الأخيرة تشكيل سياسات الطاقة والاستراتيجيات الاقتصادية في دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، ندرك أن سياسات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للمنطقة فحسب، بل تمتد تداعياتها وتأثيراتها إلى العالم بأسره. ومن هذا المنطلق، أطلقنا «منصة التحول العادل للطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، باعتبارها فضاءً لبناء المعرفة وتبادلها، وتعزيز الوعي، وفتح مساحات للحوار، والمساهمة في التأثير على السياسات التي سترسم مستقبل الطاقة في المنطقة.
في الأسبوع الماضي، أكدت هذه المنصة مرة أخرى أهميتها من خلال تنظيم ندوة إلكترونية جمعت ثلاث خبيرات لمناقشة تطورات النزاع الحالي وانعكاساته على مستقبل أنظمة الطاقة والاقتصادات والحوكمة في دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام. وأدارت الندوة المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية، لوري هيتايان، بمشاركة كل من خبيرة الطاقة والرئيسة التنفيذية لشركة «كريستول إنرجي» الدكتورة كارول نخلة، والاقتصادية الكويتية والوزيرة السابقة الدكتورة رولا دشتي، والزميلةالرئيسية بتشاتام هاوس الدكتورة لينا الخطيب. وقد تناولت الندوة التداعيات الهيكلية للأزمة على أسواق النفط، والحوكمة، والتعاون الإقليمي، وآليات توزيع عائدات الموارد الطبيعية.
وقد شكّل تأثير الحرب، الذي وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر أزمة طاقة في التاريخ، خلفية أساسية لهذا النقاش. فتعطل الممرات الاستراتيجية الرئيسية وما نتج عنه من تقلبات حادة في الأسواق يفرضان إعادة التفكير بعمق في خيارات السياسات المستقبلية والمسارات التي قد تتخذها المنطقة خلال المرحلة المقبلة. وهذا تحديدًا ما تسعى منصتنا إلى توفيره: مساحة تتيح للأصوات الإقليمية تحليل تداعيات الأزمات بشكل جماعي، والمساهمة في صياغة استجابات أكثر واقعية وارتباطًا بسياقات المنطقة. وقد نجحت ضيفاتنا الخبيرات بالفعل في تقديم هذا النوع من النقاشات العميقة والضرورية.
برزت خلال النقاش ثلاث خلاصات رئيسية. أولًا، بدا أن تنويع مصادر الطاقة لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة تفرضها الوقائع الحالية. فالمراهنة الحصرية على الطاقات الاحفورية أو على الطاقات المتجددة وحدها تبدو اليوم أقل قابلية للاستمرار، بينما تكمن القدرة على الصمود في اعتماد مزيج طاقي متوازن ومرن. ثانيًا، كان من اللافت والمشجع عودة النقاش حول إحياء المؤسسات الإقليمية وتعزيز دورها. ففي وقت يعتبر فيه كثيرون أن هذه المؤسسات فقدت فعاليتها، فإن طرح فكرة إعادة تكييفها، وربما تطويرها بالتوازي مع أشكال أكثر مرونة من التعاون، يعكس تحولًا مهمًا في التفكير الإقليمي. ويرتبط ذلك ارتباطًا وثيقًا بالخلاصة الثالثة، والمتمثلة في تصاعد النزعة البراغماتية في رسم سياسات الطاقة. فبالاستناد إلى التاريخ الطويل للترابط الاقتصادي والبنية التحتية المشتركة في المنطقة، ولا سيما داخل مجلس التعاون الخليجي، قد تساهم هذه البراغماتية في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية وتوجيه المصالح المتباينة نحو منافسة بناءة بدلًا من مزيد من الانقسام والتفكك.
ما يلي ، نتناول هذه الخلاصات بقدر أكبر من التعمق، ونضعها ضمن السؤال الأوسع حول كيفية تمكّن اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من التعامل مع عدم الاستقرار، مع المضي في الوقت نفسه نحو مستقبل طاقي أكثر عدلًا وقدرة على الصمود.
إعادة تعريف التنويع في قطاعي الطاقة والاقتصاد
لقد حملت الأزمة رسالة واضحة: إن الاعتماد على مورد واحد يشكل عبء استراتيجي، ولا يوجد مصدر طاقة واحد يضمن الأمن الطاقي. وقد أكدت الدكتورة كارول نخلة أن تحقيق أمن الطاقة لا يكون إلا من خلال تنويع مصادره، بما يشمل النفط والغاز والطاقات المتجددة، وربما الطاقة النووية أيضًا. فالدرس المستفاد من الأزمات السابقة، منذ أزمة 1973 وصولًا إلى أزمة الطاقة الأوروبية بعد عام 2022، هو أن الاقتصادات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي نجحت في بناء منظومات إمداد متنوعة وبنية تحتية قادرة على ضمان الاستمرارية والمرونة في مواجهة الأزمات.
ولا تقل أهمية عن ذلك الإشارة التي قدمتها الدكتورة رولا دشتي بشأن ضرورة إعادة التفكير في مفهوم التنويع الاقتصادي نفسه. فرغم أن دول الخليج حققت تقدمًا ملموسًا في قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والطيران والخدمات المالية، فإن هذه القطاعات أظهرت هشاشة واضحة في اللحظات التي كانت الحاجة إليها فيها أكبر. فقد تعرضت الأسس التي قامت عليها، مثل الانفتاح وحرية التنقل وثقة المستثمرين، لضغوط شديدة بفعل التوترات الجيوسياسية. وهنا تبرز نقطة أساسية بالنسبة للحوكمة: فالتنويع بوصفه استراتيجية للنمو يختلف عن التنويع بوصفه استراتيجية لتعزيز القدرة على الصمود. فالدول لا تحتاج فقط إلى قطاعات قادرة على التوسع خلال فترات الازدهار، بل إلى قطاعات تستطيع أيضًا مواجهة الصدمات والأزمات والاستمرار في العمل خلالها.
ومن منظور حوكمة الموارد، يُعد هذا التحدي من الإشكاليات المعروفة منذ سنوات. فقد وفرت فترات الطفرات المالية الموارد اللازمة لدعم جهود التنويع الاقتصادي، في حين ساهم الاقتصاد السياسي القائم على الاعتماد على الهيدروكربونات في إبطاء وتيرة التغيير وتأجيل الإصلاحات الضرورية. وقد تدفع الأزمة الحالية أخيرًا إلى إعادة النظر في هذه المعادلة، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتقلت الحكومات من مرحلة التصريحات والإعلانات إلى تنفيذ إصلاحات مؤسسية وتنظيمية فعلية، قادرة على ترسيخ قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
إحياء المؤسسات الإقليمية وإعادة تكييف دورها لمواجهة الأزمات
ومن بين أبرز الأفكار التي طُرحت خلال النقاش، ما أشارت إليه الدكتورة رولا دشتي من أن الحل لا يكمن في التخلي عن المؤسسات الإقليمية العربية القائمة، بل في إعادة توجيه أدوارها ووظائفها بشكل جذري. فالصندوق العربي، وصندوق النقد العربي، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، كلها مؤسسات قائمة بالفعل. إلا أن طبيعة عملها لا تزال تركز أساسًا على تمويل التنمية وآليات التنسيق البطيئة، أكثر من تركيزها على الاستجابة السريعة للأزمات والتعامل مع حالات الطوارئ.
وتتمثل رؤيتها في تحويل المؤسسات الإقليمية من جهات تمويل للمشاريع إلى مؤسسات قادرة على إدارة المخاطر، وذلك من خلال تطوير آليات تمويل احترازية، وتنسيق الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الترابط بين سلاسل الإمداد عبر الحدود. وفي اقتصاد مترابط، تصبح البنية التحتية الإقليمية، مثل شبكات الكهرباء، وخطوط السكك الحديدية، والخدمات اللوجستية المشتركة، ضرورة حوكمة واستراتيجية، وليست مجرد طموح تقني.
وأضافت الدكتورة لينا الخطيب نقطة أساسية تتمثل في أن هذا النوع من إحياء المؤسسات الإقليمية يتطلب إرادة سياسية لا تبدو متوفرة في الوقت الراهن. وبدلًا من ذلك، لاحظت تصاعد نهج براغماتي تتحرك فيه كل دولة وفق مصالحها الوطنية، من خلال بناء ترتيبات ثنائية تهدف إلى تلبية الاحتياجات الآنية. فانسحاب الإمارات من «أوبك» و«أوبك+»، ومشاريع البنية التحتية العابرة لسوريا والأردن ولبنان، إلى جانب الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا، كلها تعكس أشكالًا مرنة من التوافق القائم على المصالح، أكثر مما تعكس التزامًا بتعددية إقليمية قائمة على المبادئ المشتركة.
ومن منظور حوكمة الموارد، تحمل هذه البراغماتية أبعادًا إيجابية وسلبية في آن واحد. فمن جهة، تفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعاون الإقليمي. لكنها، من جهة أخرى، قد تؤدي إلى إضعاف الأطر المعيارية المشتركة، بما في ذلك معايير الشفافية، وترتيبات إدارة الإيرادات، وآليات المساءلة، وهي الأطر التي يمكن للمؤسسات الإقليمية أن تضطلع بدور أساسي في ترسيخها وتعزيزها. ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن لهذا النوع من التعاون البراغماتي أن يدمج مبادئ الحوكمة ضمن مساراته، أم أنه سيظل قائمًا فقط على المصالح والمعاملات الآنية؟
إعادة تشكيل البراغماتية في السياسة وفي التطبيق
ويستحق الطرح الذي قدمته الدكتورة لينا الخطيب، والذي اعتبر البراغماتية السمة الأبرز للمرحلة الراهنة، قراءة أعمق من منظور الحوكمة. فعلى أرض الواقع، يبدو أن هذا النهج يترجم إلى مجموعة من الخيارات والسياسات العملية الواضحة، من بينها:
تغليب الاستمرارية على الاستثمار طويل الأمد. قد تقوم حكومات الخليج بتوجيه الموارد المالية نحو الإنفاق الأمني ودعم المستهلكين، وهو ما يأتي على حساب الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية التنموية. وقد يبدو هذا النهج منطقيًا في سياق إدارة الأزمات، إلا أنه يؤدي في المقابل إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية التي كان من المفترض أن تُموَّل من عائدات الموارد الطبيعية.
اتفاقيات البنية التحتية الثنائية بين أطراف لم تكن ترتبط سابقًا بمسارات تعاون مباشرة. فمشاريع خطوط الأنابيب العابرة لسوريا، وخطوط السكك الحديدية المتصلة بتركيا، والتوسع في شبكات الكهرباء داخل مجلس التعاون الخليجي، تسهم في خلق ترابطات اقتصادية متبادلة تؤدي عمليًا دور ترتيبات أمنية غير معلنة. وفي المقابل، تطرح هذه المشاريع تساؤلات مهمة تتعلق بالحوكمة، بما يشمل الأطر التنظيمية المعتمدة، وآليات توزيع المخاطر، وكيفية إدارة العائدات والإيرادات.
تجدد الاهتمام بالطاقة النووية، لكن مع تحديات وتحفظات كبيرة. أشارت الدكتورة كارول نخلة إلى تزايد الاهتمام بالطاقة النووية باعتبارها جزءًا من مزيج الطاقة المستقبلي، لكنها شددت على أن الاهتمام السياسي أو الاقتصادي لا يعني بالضرورة وجود استثمارات فعلية على أرض الواقع. فالبنية التحتية للطاقة النووية تتطلب سنوات طويلة من التخطيط والتطوير، ورؤوس أموال ضخمة، وأطرًا تنظيمية قوية، إلى جانب التزام سياسي طويل الأمد. وهي جميعها متطلبات حوكمة معقدة تظل صعبة التحقيق حتى في البيئات المستقرة.
ما الذي نرصده بشأن المرحلة المقبلة؟
مسار الانتقال الطاقي. يكمن التحدي الأساسي في المسار الذي ستتجه إليه المنطقة في ظل تعدد الخيارات والمسارات الطاقية، التي قد تكون أحيانًا متنافسة أو متعارضة. وتشير المؤشرات الحالية إلى توجه متزايد نحو تنويع مصادر الطاقة، ومسارات الإمداد، واستراتيجيات الاستثمار، بدلًا من الاعتماد على نموذج انتقال طاقي أحادي أو خطي. فزيادة الإنتاج، والاستثمارات الممولة من العائدات الاستثنائية، وتجدد الاهتمام بالطاقة النووية، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، قد تتقدم جميعها بالتوازي، مع ما يحمله كل مسار من تداعيات مختلفة على الحوكمة، وإدارة المخاطر، والقدرة على الصمود على المدى الطويل. ومن خلال «منصة التحول العادل للطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، سنواصل متابعة هذه التحولات عن كثب، والعمل على تحليل ما يعنيه هذا التنوع المتزايد على أرض الواقع. ويشمل ذلك الانخراط مع صناع السياسات ومختلف أصحاب المصلحة للمساهمة في صياغة سياسات طاقية لا تقتصر فقط على إدارة حالة عدم اليقين، بل تتماشى أيضًا مع أهداف التنمية طويلة الأمد وتعزيز مبادئ المساءلة والحوكمة.
مستقبل التعاون الإقليمي. يمكن قراءة ابتعاد الإمارات عن «أوبك» و «أوبك+» من زاويتين مختلفتين. فمن جهة، قد يعكس ذلك تصاعد النزعة نحو مزيد من التباعد داخل مجلس التعاون الخليجي، والتحول إلى استراتيجيات أكثر فردية تقوم أساسًا على المصالح الوطنية. ومن جهة أخرى، قد يشكل هذا التحول فرصة لإعادة التفكير في دور المؤسسات الإقليمية وإعادة إحيائها، عبر تجاوز القيود الحالية نحو أطر تعاون أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والطاقية التي تواجهها المنطقة اليوم. وسنواصل متابعة هذه التطورات وتحليل ما قد يعنيه إعادة تصور المؤسسات الإقليمية وتطويرها بطرق تمكنها من دعم سياسات طاقية أكثر استشرافًا للمستقبل، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر شمولًا وفعالية.
التأثير على عائدات التنمية والمجتمعات المحلية. سيكون لكيفية توجيه عائدات التنمية وتوزيعها دور حاسم في تحديد آثار هذه الأزمة على الدول والمجتمعات في مختلف أنحاء المنطقة. كما أن قدرة دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر ثراءً على دعم الاقتصادات المجاورة قد تشهد تراجعًا خلال المرحلة المقبلة. فدول مثل مصر والأردن وتونس ولبنان تواجه بالفعل ارتفاعًا في التكاليف، وتراجعًا في الاستثمارات، وضغوطًا متزايدة على الخدمات الاجتماعية والأساسية. ومن جانبنا، سنواصل العمل على إبراز أصوات المجتمعات المحلية وتعزيز دورها في عمليات صنع القرار، خاصة في مرحلة ستترك فيها الخيارات السياسية المتعلقة بالطاقة والمالية العامة تأثيرًا متزايدًا ومباشرًا على حياة المواطنين ومستقبلهم.
Authors
Laury Haytayan
Middle East and North Africa Director
Abir Yahyaoui
Middle East and North Africa Senior Program Officer